فخر الدين الرازي

497

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يكون مقصرا ، وأما لو قيل بأنهم ناجوا من غير تقديم الصدقة ، فهذا أيضا غير جائز ، لأن المناجاة لا تمكن إلا إذا مكن الرسول من المناجاة ، فإذا لم يمكنهم من ذلك لم يقدروا على المناجاة ، فعلمنا أن الآية لا تدل على صدور التقصير منهم ، فأما قوله : أَ أَشْفَقْتُمْ فلا يمتنع أن اللَّه تعالى علم ضيق صدر كثير منهم عن إعطاء الصدقة في المستقبل لو دام الوجوب ، فقال هذا القول ، وأما قوله : وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فليس في الآية أنه تاب عليكم من هذا التقصير ، بل يحتمل أنكم إذا كنتم تائبين راجعين إلى اللَّه ، وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة ، فقد كفاكم هذا التكليف ، أما قوله : وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ يعني محيط بأعمالكم ونياتكم . [ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 14 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 14 ) كان المنافقون يتولون اليهود وهم الذين غضب اللَّه عليهم في قوله : مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ [ المائدة : 60 ] وينقلون إليهم أسرار المؤمنين : ما هُمْ مِنْكُمْ أيها المسلمون ولا من اليهود وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ والمراد من هذا الكذب إما ادعاؤهم كونهم مسلمين ، وإما أنهم كانوا يشتمون اللَّه ورسوله ويكيدون المسلمين فإذا قيل لهم : إنكم فعلتم ذلك خافوا على أنفسهم من القتل ، فيحلفون أنا ما قلنا ذلك وما فعلناه ، فهذا هو الكذب الذي يحلفون عليه . واعلم أن هذه الآية تدل على فساد قول الجاحظ إن الخبر الذي يكون مخالفا للمخبر عنه إنما يكون كذبا لو علم المخبر كون الخبر مخالفا للمخبر عنه ، وذلك لأن لو كان الأمر على ما ذهب إليه لكان قوله : وَهُمْ يَعْلَمُونَ تكرارا غير مقيد ، يروى أن عبد اللَّه بن نبتل المنافق كان / يجالس رسول اللَّه صلى اللّه عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود ، فبينا رسول اللَّه صلى اللّه عليه وسلم في حجرته إذ قال : يدخل عليكم رجل ينظر بعين شيطان - أو بعيني شيطان - فدخل رجل عيناه زرقاوان فقال له : لم تسبني فجعل يحلف فنزل قوله : وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . [ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 15 ] أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 15 ) والمراد منه عند بعض المحققين عذاب القبر . ثم قال تعالى : [ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 16 ] اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 16 ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ الحسن : اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ بكسر الهمزة ، قال ابن جني : هذا على حذف المضاف ، أي اتخذوا ظهار إيمانهم جنة عن ظهور نفاقهم وكيدهم للمسلمين ، أو جنة عن أن يقتلهم المسلمون ، فلما أمنوا من القتل اشتغلوا بصد الناس عن الدخول في الإسلام بإلقاء الشبهات في القلوب وتقبيح حال الإسلام . المسألة الثانية : قوله تعالى : فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ أي عذاب الآخر ، وإنما حملنا قوله : أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً على عذاب القبر ، وقوله هاهنا : فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ على عذاب الآخر ، لئلا يلزم التكرار ، ومن الناس من قال : المراد من الكل عذاب الآخرة ، وهو كقوله : الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ [ النحل : 88 ] .